القضاء النزيه حامي للحريات الاعلامية لا مقيداُ لها

 

كتب ماجد العاروري

    "برنامج المنتدى القضائي" الذي تعده وتقدمه الهيئة الاهلية لاستقلال القضاء بالشراكة مع اذاعة 24 اف ام، والذي استضاف سعادة القاضي عبدالله غزلان وتحدث فيه عن واقع القضاء واثار كل هذه الضجة هو برنامج قانوني، يلتزم بالقواعد والقوانين المعمول بها، والتي تحظر بأي حال من الاحوال نشر معلومات من شانها أن تؤثر على قرار قاضي، لكنها لا تحظر تغطية اخبار المحاكم، ولا نقاش القرارات قضائية ما دامت لا تمس بشخوص السادة القضاء.

 وعلى مدار عشرات الحلقات التي بثها برنامج "المنتدى القضائي" لم يذكر اسماء هيئة قضائية، ولم يشخصن اي قرار قضائي، وغالبية ضيوف الحلقات كانوا من كبار رجال القانون، والمحامين، والقضاة، والقضاة السابقين، واعضاء النيابة، وكلهم تحدثوا باحترام وتقدير عن  القضاء وعن السادة القضاة،  وكانت كل اقوالهم تدفع باتجاه استقلال القضاء، وشكل هذا البرنامج حراكاً هاماً بالدفاع عن القضاء.

البرنامج يميز بين القرارات القضائية والقرارات الادارية التي تصدر عن مجلس القضاء الاعلى، وهي ذات طابع اداري وليس قضائي، مثل تشكيل الهيئات القضائية، التسلسل الرقمي للقضايا، تغير الهيئات القضائية، صندوق الامانات واستثمار امواله، الدورات التدريبية وتمويلها، معهد التدريب القضائي، لجنة الاصلاح القضائي، المجتمع المدني والقضاء، الاعلام والقضاء، وغير ذلك من المواضيع التي تندرج في اطار العمل الاداري لمجلس القضاء الاعلى وغير المحصنة من النقاش وحتى من النقد، ويدرح حدود تناول الاحكام بما لا يتناقض مع القانون ويحافظ على هيبة القضاء.

السلطة القضائية لديها دائرة اعلامية ومن حقها ان تشارك وان ترد على كل معلومة مغلوطة خاصة في الشأن الاداري، ومن حقها ان تناقش اي تجاوز للحدود القانونية في اي عمل اعلامي، بل وان تجري تدريباً للصحفيين حول اصول تغطية اخبار القضاء. وكنت شخصياً قد عملت في هذا الجانب واسسست مركز الاعلامي القضائي، وكان الشعار الذي  اقره مجلس القضاء في ذلك الحين: لن يلاحق اي صحفي او وسيلة اعلام على عمل اعلامي قامت به، والرد على الكلمة لن يكون الا بالكلمة.

ان شن هجمة على وسائل الاعلام، وتهديد مجلس القضاء الاعلى باتخاذ المقتضى القانوني ضد هذه الوسائل، ووصف تناول الشأن القضائي من الاعلام بالحملات التي تخدم اجندة شخصية، والتلويح باجراءات بحقها، هو بذاته التقييد الحقيقي لحرية التعبير، وللاسف يأتي التقييد من الجهة التي يترتب عليها حماية حرية التعبير، فالقضاء هو الحامي الحقيقي لحرية التعبير والحريات العامة.

اتذكر في عام 2008 حين خضت نقاشاً مع رئيس مجلس القضاء الاعلى سعادة القاضي عيسى ابو شرار، واتفقنا ان سلطة مجلس القضاء الاعلى ادارية وليس قضائية، وهي سلطة عامة ومن حق الجمهور والمسؤولين ومؤسسات المجتمع المدني ان توجه لقرارات المجلس وسياسته وادائه الانتقاد، وقبل ودعم هذا التوجه، ووقع مذكرة تفاهم مع مؤسسات المجتمع المدني منحها الحق بالحصول على ما تشاء من المعلومات، وشق في ذلك الحين الطريق امام انفتاح الاعلام على القضاء، وساهم ذلك بارتفاع الثقة في القضاء الى حوالي 89% وفقاً للاحصاءات الرسمية.

اذكر ان القضاء كان ينتقد، بل انتقد انتقاداً شديداً من على شاشة التلفزيون الفلسطيني اكثر من مرة من قبل محامين وشخصيات مجتمعية وكانت  الانتقادات مؤلمة وموجعة، اتذكر كيف استضاف الصحفي ابراهيم ملحم على شاشة التلفزيون الفلسطيني رئيس مجلس القضاء وواجهه بأصعب المعلومات والاسئلة وكانت المادة التي استند عليها هي تلك النقدية التي كانت تصدرها في ذلك الحين مؤسسات المجتمع المدني، والامر اتسع ليشمل  الصحافة المكتوبة، لكنه لم يصدر اي تهديد على خلفية ذلك ولم يوقف اي صحفي، بل كانت هناك سياسة لدى مجلس القضاء الاعلى أنه لا يجوز الرد بصفة شخصية على هذه الانتقادات، فلا يجوز لأي سلطة من السلطات الثلاث أن ترد على راي كاتب او صحقي أو مواطن ادلى برأيه الى وسائل الاعلام لأن رد السلطة سواء كانت تنفيذية أو تشريعية أو قضائية يصنف في العالم الحر قمعاً لحرية التعبير.

هل هذه المرة الاولى يتعرض فيه القضاء الى الانتقاد؟.

ألم يتعرض القضاء الى انتقادات شديدة في عهد القاضي فريد الجلاد من قبل نقيب المحامين في ذلك الوقت، وفي وقت لاحق من قبل وزير العدل؟

الم يصدر بياناً صحفياً يهاجم فيه رئيس مجلس القضاء من قبل شخصية سياسية ونشر هذا البيان في الصحافة؟.

ألم يتعرض القضاء في عهد القاضي سامي صرصور الى انتقادات شديدة  من خلال مؤتمر صحفي عقد في مقر نقابة الصحفيين؟

 الم يتعرض القضاء الى انتقادات في عهد  السيد علي مهنا وعقدت ورشتين في استقلال تحت عنوان مذبحة قرارات محكمة النقض والتقرير المتعلق بقرارات محكمة العدل العليا؟.

اذن لماذا اتسم مجلس القضاء الاعلى الصمت تجاه كل هذه الانتقادات، وان رد فإنه كان يرد على المعطيات، ويرد على الكلمة بالكلمة وفي غالب الحالات كان يفضل ان يصمت. فلم اسمع طوال 8 سنوات منذ انفتاح مجلس القضاء الاعلى على الاعلام ولغاية اليوم اي موقف ناقد للاعلام او تهديد او اتهام بخدمة اجندة داخلية، بل على مدار كل السنوات كانت الانتقادات تاتي من الخارج لكنها هذه المرة جاءت من داخل الجسم القضائي، وبالتالي لا مبرر لكل هذه التهديدات او التقييدات على حرية التعبير.

اني كلي ثقة ان يعيد مجلس القضاء  الموقر النظر في البيان الذي اصدره،  واأن يتسع صدره للرأي وان كان مؤلماً،  وان يتراجع عن الخطوات التي تفسر تقييداً للحريات الاعلامية، فالحياة صالات وجوالات، فالاعلام الذي تتهمونه اليوم بخدمة اجندات شخصية، ناديتموه من قبل مراراُ وتكراراً ولم يخذلكم، وكان في مقدمة المدافعين عن القضاء.

اذن لنعي ان الذي يجيب ان يراجع هو السياسات لا الإعلام، وكلي محبة وثقة في القضاء، وهذه الثقة لن يلمسها الجمهور الا بانفتاج على الاعلام، وخطوات الاصلاح الجريئة، والانفتاح على المجتمع، فالقضاء النزيه حامي للحريات لا مقيد لها، وهذا املنا بالقضاء.

 

بيان مجلس القضاء الاعلى: http://www.courts.gov.ps/details_ar.aspx?id=6ED218a33054381690a6ED218

 

تاريخ النشر: 
الخميس, فبراير 22, 2018
صوره: